عبد الكريم الخطيب
827
التفسير القرآنى للقرآن
وقد جاء الخطاب إلى هؤلاء المنافقين بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » وذلك لإلفاتهم إلى هذا الإيمان الذي دخلوا به في جماعة المؤمنين ، وأخذوا به مكانهم بينهم ، ثم هم في الوقت نفسه حرب على المؤمنين ، يضمرون العداوة لهم ، ويبيتون السوء والضرّ بهم . . وهذه حال منكرة ، ينبغي أن ينكروها هم على أنفسهم قبل أن ينكرها الناس عليهم . . فإما أن يكونوا مؤمنين ، فلا يصل إلى المؤمنين منهم ما يسوء ، وإما أن يكونوا على غير الإيمان ، فيكون لهم أن يكيدوا للمؤمنين كما يكيد لهم الكفار والمشركون . . فالناس : إما مؤمنون ، وإما كافرون . . وهؤلاء ليسوا مؤمنين ، وليسوا كافرين . . إنهم مذبذبون بين ذلك . . لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء . . وتلك أسوأ حال يكون عليها إنسان ، حيث لا وجه له يعرف به في الناس . . إنه الوجه المنافق الذي يلبس أكثر من وجه ! . وقوله تعالى : للمنافقين « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » يحقق أمرين : أولهما : فضح هؤلاء المنافقين عند أنفسهم ، وضبطهم متلبسين بالكيد للمؤمنين ، وهم في زىّ الإيمان . . وهذا من شأنه أن يخزيهم عند أنفسهم ، وأن يحقر بعضهم بعضا ، حين ينظر أحدهم إلى وجه صاحبه ، فيراه مؤمنا يكيد للمؤمنين . وثانيهما : أن نداءهم بالمؤمنين دعوة مجددة لهم إلى أن يكونوا مؤمنين حقّا ، فهم إلى هذه اللحظة محسوبون في المؤمنين ، لم يفضحهم اللّه بعد ، ولم يطلع النبىّ والمؤمنين على خبيئة أنفسهم ، بل ستر اللّه عليهم ما هم عليه من نفاق ، وإن هذا الأمر لن يطول بهم ، فإن لم يبادروا إلى الخروج من هذا النفاق المضروب عليهم ، فضحهم اللّه ، فلم يكن لهم بين المؤمنين مكان ! .